العربية
100%
الرسائل الجامعية

لغة الشعر في هاشميات الكميت

لغة الشعر في هاشميات الكميت

مكتبة الروضة الحيدرية

الرسائل الجامعية ـ 40

 

تأليف 

د.رزاق عبدالامير مهدي الطيار

 

 

المقدمة 

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين. وبعد...

فإن الشعر في الجاهلية كان الطاقة الإبداعية الأولى عند العرب، ضاماً بين جناحيه مآثرهم وأيامهم، ومباهجهم وانفعالاتهم، وأفكارهم وعقائدهم، فهو فاعليةُ إبداعٍ أولى في حياتهم، وكان هذا الشعر صوتاً مكتفياً بنفسه، قائماً بذاته، ممثلاً تجربته بدقةٍ وصدق، ومن هنا كان قيمة عليا في المجتمع، ولقد حافظَ الشعر على مكانته ـ إلى حدٍ ما ـ بعد نزول القرآن وتعاهده قادةُ الإسلامِ وخلفاؤه فضلاً عن علماء اللُّغَة والأدب فيما بعد.

إنَّ اللُّغَة العربيةَ لم تكتف بالإيصال والإبلاغ، بل كانت لغة انبثاق وتفجر، لغة وميض وبصيرة، مكوّنة امتداداً إنسانياً لسحر الطبيعة وأسرارها. فالموجود الحقيقي والماثل أمامنا ليس إلاّ اللغة، وعندها كانت تلك اللُّغَة (السحر الحلال)، استقطبت رعاية النقاد العرب القدامى واهتمامهم، فكان النقد اللغوي هو عمود النقد العربي وسناده، وما كان غرامهم بالشعر إلاّ لغرامهم بلغته، هذا وأتاهم القرآن من الطريق ذاته، فأذهلت آياته ألبابهُم وخطف سنا ضوئه ببصرهم .

وكان اتجاههم هذا متسقاً مع ما ينشده النقد الحديث في تتبع خواص الشعر والشاعر عن طريق لغة الشعر وأثر هذه اللُّغَة في المتلقي، فضلاً عن استكشاف مراحل تطور الشاعر من خلالها، حتى عدت لغة الشاعر سجلاً دقيقاً لتأريخ حياته الشعرية.

ولما كان الموقف السياسي للشاعر يترك آثاره على انفعالاته، فهو جزءٌ لا ينسلخ عنه، بل لا ينفك محركاً لدوافعه في القول والفعل، فقد نشدنا تتبع أثر الفكر السياسي في الشعر العربي في واحدة من أهم الحقب وأعقدها في تاريخ تطور الشعر والفكر في الإسلام، ذلك هو العصر الأموي، ولمّا كان الكميت أوّل شاعر فتح باب الحجاج والمجادلة في الشعر على مصراعيه ـ باعتراف القدماء ـ ممثلاً بذلك مذهبه ومعتقده فقد ارتأينا تتبع هذا الأثر وكيفية تطوره عند رائده الأول، مستثمرين وصول مجموعة الكميت السياسية (الهاشميات) بشكل حسن إلينا ما يجعل الباحث مطمئنا إلى نتائج الدراسة التي تقام عليها([1]).

هكذا كانت (لغة الشعر في هاشميات الكميت) الطريق المهيع الأمين لاستيضاح هذا الفكر السياسي وتطوره عند الشاعر. فقد رسمت لنا لغتهُ بكل وضوح ما ثار في نفسه من انفعال واضطراب، وعلى الأخص في بدايات نظمه حيث عانى من ضغوط الموروث التقليدي (لقصيدة المديح) وما تكنّه نفسه من المشاعر، ويحتويه عقله من الفكر، وكانت ثمرة هذا الاضطراب خلخلته أركان ذلك النموذج بقوّةٍ، حتى استقرت قصيدة الكميت السياسية على شكلٍ خاصٍ بها أفرزته تجربته الخاصة، ولم يفرض عليها من الخارج.

هكذا فقد اكتسب هذا الشعر قيمته الأخيرة من داخله من غنى التجربة والتعبير، ولم يكن صوتاً شاحباً يردد أصداء غيره ويكررها، أنه عايشها وعاناها، وتعالى فوقها بطاقة الشعر وزخم الإبداع، وإنَّ تتبع اللُّغَة الشعرية إمساكٌ بالخيط الذي يصلنا بشخص الشاعر، بهمومه وأفراحه، بآلامه وحياته، ويصلنا بالإبداع، ويصلنا بالشعر أكثر من الموضوع ذاته.

اقتضى تتبع هذا التطور أن تقوم الدراسة على تمهيد وأربعة فصول، وقد احتوى التمهيد ثلاثة محاور خُصِّصَ الأولُ منها لإيضاح مفهوم الشعر السياسي وتطوره حتى عصر الكميت، أمّا المحور الثاني فقد أشرنا فيه إلى مكانة الكميت بين شعراء عصره آخذين من أقوالهم وآرائهم فيه وفي أشعاره دليلاً على تلك المكانة، وكان المحور الثالث تعريفاً موجزاً بالهاشميات ودوافعها، ومن ثم حاولنا استبيان المدَّة الزمنية لنظمها بناءً على ما توافر لنا من الأدلة.

أما الفصل الأول فكان فصلاً نظرياً أوضحنا فيه معنى لغة الشعر ومقوماتها والفارق بينها وبين لغة العلم ولغة الخطابة، وكان هذا في الوحدة الأولى منه وفي وحدته الثانية كان لزاماً علينا أن ننظر في لغة الشعر الجاهلي وما أثرت فيه طبيعة الحياة البدوية وشفاهيتها، وكيف وصلت تلك التأثيرات حدّ التقنين لنموذج شعري معين لا يسهل على الشعراء الانفلات منه، وبعدها أشرنا في وحدته الثالثة إلى أثر الفكر السياسي في لغة الشعر، وبذلك نشعر أننا قد أقمنا مستنداً نظرياً مبسطاً يَنفعُ القارئ ليتواصل معنا في ما سنقرره لاحقاً.

كانت (الألفاظ والمعجم الشعري) رائدنا الأول في الفصل الثاني، فتحنا بها الطريق لتتبع الخط الذي سلكه الكميت في هاشمياته، وقد أظهرت وبوضوح من خلال خواصها ذلك السبيل، وتابعناها من حيث بداوتها وغريبها، ومن حيث آثار التمدن فيها، ثم استقصينا أسباب ثقل المعجم وترهله محددين مكان ذلك الترهل، وقمنا أخيراً بترتيب (معجم لألفاظ الهاشميات) واكتشفنا عن طريقه أهم الجذور والأصول اللّغوية التي كان الشاعر يتعامل معها وكيفيّة هذا التعامل.

وخصص الفصل الثالث للصياغة الشعرية، وتآلف المفردات في الجمل وخواصها وكان ذلك في سبعة مباحث ابتدأت بتتبع (أنماط صياغة المعنى) من المستوى البياني للألفاظ، ثم الحفاظ على نمطية الجملة، وبعدها تقابل المعاني وأثره في الكشف عن المعنى، ثم توكيد الجمل ودلالته، ثم الخبر والإنشاء وأهميته في تركيز المعنى، وخصص الأخير منه للصورة الفنية فقد كانت ضوءا ساطعاً لإنارة الطريق أمام الباحث مكنته من رصد بعض جوانب التطور في أداء الكميت الشعري.

أما الفصل الرابع والأخير فقد خصص للإيقاع وأثره في إبراز المعنى فبحثنا أثر القوالب الوزنية في احتواء التجربة، وكان ذلك في أربعة مباحث ثم فصلنا القول في الأثر الكبير للتكرار بأنواعه المختلفة باعتباره مولداً إيقاعياً مهماً في مبحثين، ولم نغفل أن ننظر في مستوى التركيب وأثر الإنشاد في توليد أنماط إيقاعية معينة.

وبعد أن أكملنا ـ بحمد الله ـ ذلك اتضح لنا جلياً نتائج أثبتناها في نهاية الدراسة، لتكون خلاصة موجزة لكل ما ذكر، ثم أننا نظرنا إلى ثمرة (الهاشميات) في الشعر العربي، والسياسي منه خاصةً، وما أفاده الشعراء من هذه المجموعة القيمة في أدبنا، فأردنا أنْ نُلمِحَ ونُشِيرَ إشارةً سريعةً إلى ذلك الأثر لتكون تلك خاتمة البحث وثمرته.

ساعدنا على السير في هذه الدراسة ما أغنتنا به أمهات المصادر العربية التاريخية والنقدية والبلاغية واللغوية، فقد أفدنا منها في تتبع أدوار حياة الشاعر، والمؤثرات في شعره، ثم تبينا الآراء النقدية والبلاغية للغة الشعر وفق الرؤيا التنظيرية العربية لها، ثم أننا استعنا على فهم تلك النصوص بجمع من المراجع المعتمدة العربيَّة والمعرَّبة.

وبعد فإن من منن الله على الباحث أن هيأ له أستاذا عالماً قديراً نمت بين يديه أول بذرة له، فقد رعاها بعلمه الواسع وعطف عليها بصدره الرحب، فقوّى ضعفها وأصلح اعوجاجها وأنني لأقرر هنا عجزي عن شكره وتقديره، وأؤكد عجز الكلمات في التعبير عن ثنائي له، وأترك ثوابه لله تعالى فهو القادر على الجزاء، وبعد هذا فإن لجمع من الأهل والأخوة فضلاً لا ينكر في إكمال هذا العمل وإقامته على أركانه، ولا يسعني هنا إلاّ أن أثني عليهم واشكرهم شكر ممتن لفضلهم، عارف بحقهم على البحث وصاحبه، وأخص منهم والدنا المكرم بما أولاه لي من عناية ودعم لطلب الحقيقة، وأذكر أيضاً إدارة مكتبة الإمام الحكيم العامة والعاملين عليها لما بذلوه من عون كبير للباحث، كما وأشكر الأساتيذ الذين تكرموا علي بإبداء آرائهم وملاحظاتهم ساعين إلى تطوير البحث وصاحبه، فلهم مني جزيل الشكر والإحسان.

وختاماً نقول سعت هذه الدراسة للاقتراب من الحقائق ما أمكنها ذلك، وما وفّرت الوقائع بين يديها من أدلة يقودها صدق النية، والروح العلمية الخالصة، فإن حققت ما سعت إليه فبفضل من الله وتوفيقه، وان أخفقت فمرجع ذلك قصوري وتقصيري وقلة حيلتي، فما الكمال إلاّ الله، يهب منه ما يشاء لمن شاء من عباده، وآخر دعوانا أنْ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وسلامه على من اصطفى.

                                                                       ***

 

([1]) لا يتعارض هذا مع كون النسخة المحققة والمطبوعة من (شرح هاشميات الكميت) احتوت على بعض الأخطاء الطباعية وأخرى فنيه، شكلت أحدى صعوبات الدراسة، لكنها لم تؤثر على نتائج البحث إذ أمكن تجاوزها بشكل مرض وسنشير إلى  بعض مواقعها في أثناء البحث.

 

الفهارس 

 

المقدمة ........... 5

التمهيد ........... 11

المحور الأول: الشعر السياسي حتى عصر الكميت ........... 11

المحور الثاني: مكانة الكميت بين شعراء عصره ........... 14

المحور الثالث: الهاشميات: بواعثها، وموضوعها، وزمنها ........... 23

 الفصل الأول

التجربة ولغة الشاعر

أولاً: لغة الشعر: مقوماتها ومميزاتها ........... 37

ثانياً: شفوية الشعر الجاهلي وتطورها في العصر الإسلامي والأموي ........... 46

ثالثاً: الشعر السياسي وأثره في تقريرية اللُّغَة الشعرية ........... 58

 الفصل الثاني

المفردات والمعجم اللغوي

بين يدي الفصل ........... 63

أولا: البدوي والغريب: حجمه ودوافعه ........... 64

ثانياً: أسماء الذوات وأسماء المعاني وارتقاء التعبير بينهما ........... 83

ثالثاً: التراكم وترهل المعجم ........... 101

رابعاً: ألأفعال مساحتها واستعمالها ........... 114

خامساً: المعجم الشعري ومميزاته ........... 123

 الفصل الثالث

أنماط صياغة المعنى

مفتتح الفصل ........... 129

أولاً: المستوى البياني للألفاظ ........... 130

ثانياً: الحفاظ على نمطية الجملة ........... 133

ثالثاً: تقابل المعاني مستوى بيانياً ........... 136

رابعاً: توكيد الجملة ودلالته ........... 140

خامساً: تطويل العبارة وأثره ........... 146

سادساً: الخبر والإنشاء وأهميته في تركيز المعنى ........... 154

سابعاً: الصورة الفنية بين البيان والجمال ........... 169

 الفصل الرابع

الإيقاع مستوى بيانياً

مقدمة الفصل ........... 205

أولاً: البحور: أنواعها ودلالتها ........... 207

ثانياً: القبل الشعري وأثره على لغة الشاعر ........... 212

ثالثاً: التدوير ودلالة البيت الشعري ........... 217

رابعاً: القافية ومستوى النغمة ........... 222

خامساً: التكرار وأثره الإيقاعي ........... 228

سادساً: الجناس والطباق: صنفان من التكرار ........... 242

سابعاً: المستوى التركيبي وأثره في التنغيم الصوتي عند الإنشاد ........... 247

النتائج والخاتمة ........... 255

المصادر والمراجع ........... 263

فهرس الكتاب ........... 275