العربية
100%
الرسائل الجامعية

بنائية الصورة القرآنية

بنائية الصورة القرآنية

مكتبة الروضة الحيدرية 

الرسائل الجامعية : 8

 

تأليف 

عمار عبدالأمير راضي السلامي

 

المقدمة 

الحمد لله مالك الملك ، مجري الفلك ، مسخِّر الرياح ، فالق الإصباح ، ديان الدين ، ربِّ العالمين ، والصلاة والسلام على رسوله محمد(ص) ، نبي الرحمة ، وهادي الأمة ، ومنقذ البشرية ، وعلى آله الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان الى قيام يوم الدين.

أما بعد

فالقرآن الكريم كتاب الله الناطق بالحق ، ومعجزته الخالدة ، أنزله على رسوله(ص) اثباتاً لنبوته، ودليلاً على صدقه ، ودستوراً يهدي به أمته ، معجزة خالدة باقية ما بقيت السماوات والأرض ، كتاباً يعجز كل من حاول أن يأتي بنظيره ، لا بعشر سور مفتريات ، بل بسورة واحدة من مثله.

وكان من أبرز صور إعجازه بلاغته التي أعجزت فصحاء العرب وشعراءهم ، واسلوبه الذي سحر ببيانه قلوبهم ، على الرغم من نزوله باللغة التي بها يتكلمون وعن طريقها يتفاخرون.

ولعل من أوضح صور اعجازه البلاغي الصورة الفنية فيه ، تلك التي أشار اليها السابقون إشارات على حسب أسس الدرس الذي عقدوه ، ووقف عندها المحدثون وقفات مختلفة خلصت نظرية مستقلة في التصوير الفني في القرآن ، على يد سيد قطب في منتصف القرن العشرين ، في واحد من أبرز كتبه ، ألا وهو كتاب (التصوير الفني في القرآن)، ذلك الكتاب الذي قرأته في أيام شبابي الأولى ، وأعدْتُّ قراءته غير مرَّة ، متأثراً باسلوبه ومضامينه أيَّما تأثر.

فكانت الدراسة الأدبية والفنية للقرآن الكريم تستهويني ، وأحِنُّ اليها بين الحين والآخر، مع ان دراستي قبل التحاقي بقسم اللغة العربية في الدراسات المسائية كانت في الهندسة المدنية.

إلا ان حُبّي لكتاب الله العزيز ، وأملي في اللحاق بركب من نالوا الحظوة والمثوبة لتَفكّرهم بآيات الله وكلامه ، وتأثري القديم الجديد بكتاب سيد قطب في التصوير ، جعلني اكمل دراستي الاولية والماجستير في اللغة العربية وآدابها ، وأُقبل في الدكتوراه بعد ذلك. فأصبح الحُلم قريب المنال ، فعزمت أن أختار بحثاً في القرآن الكريم ، كما كان أملي من قبل.

ولما كان التصوير الفني في القرآن من أبرز الظواهر الفنية فيه ، وقاعدة إسلوبه المعجز، وأداته المفضلة في التعبير ، ووسيلته المهمة في تحقيق أهدافه وغاياته ، آثرت أن أختار جانباً معينا من جوانب التصوير فيه ، اجعله عنواناً لرسالتي ، وموضوعاً لبحثي لنيل شهادة الدكتوراه.

وبعد بحثي الطويل عن الدراسات المتعلقة بالصورة القرآنية والتصوير ، ولاسيما تلك الدراسات الحديثة في الموضوع ، وجدت ان أغلب من كتب في الموضوع من المحدثين قد تأثر بما جاء به سيد قطب من قبل ، سواء صرَّح بذلك أم لم يُصرّح. فقد كان لسيد قطب الفضل في وضع أسس نظرية التصوير الفني في القرآن ، وتوضيح أبعادها ، وذكر عناصرها وسماتها وأهدافها ، تلك التي وقف عندها كثير من الباحثين ، منظرين تارة ، ومطبقين تلك النظرية على بعض سور القرآن الكريم تارة أخرى.

إلا ان بنائية الصورة القرآنية ، وأساليب إخراجها ، لم تلق تلك العناية التي تستحق في دراساتهم ، فالصورة القرآنية كيان مستقل في النص القرآني ، له مواده الاولية ، وعناصره المختلفة ، وطرائق بنائه المتنوعة ، ووسائل إخراجه المشوقة ، التي تؤثر في المتلقي مهما تكررت عملية تلقيه ، ومهما دارت الأيام والسنون. فهناك أسباب لبقاء هذا التأثير قوياً فاعلاً مستمرّاً يتميز من غيره من النصوص السماوية والبشرية جمعاء.

وبناء على ذلك وجدت ان الصورة الفنية في القرآن الكريم كيان خاص يشبه من وجه مبنىً معيناً له مواده العامة وبناؤه المميز المعتمد على العلاقات والأواصر الرابطة بين الأجزاء لجعله مبنى له هيكلٌ قائمٌ واضح المعالم والسمات ، يمتلك ما يميزه من الأساليب والتصاميم واللمسات الفنية المختلفة التي تجسد جماله وجاذبيته ، وتساعده على تحقيق وظيفته على أكمل وجه. فكذلك الصورة الفنية في القرآن ، لها موادها العامة المتمثلة باللغة وما تمتلك من تراكيب وقوانين ، ولها طرق بناء مختلفة تنقسم في ضوئها على أنواع وأشكال ، ولها وسائل إخراج ، تعطي الصورة قوتها وتأثيرها ، ودوام تشويقها ، وتساعدها على تحقيق وظيفتها على أكمل وجه.

ومن زاوية أخرى أيضاً ، يمكن تشبيه بناء الصورة الفنية في القرآن وطرق إخراجها بعمل المخرج المبدع وهو يختار عناصر صوره ، ويبني مشاهده ومونتاجه ، ويستعمل وسائل إخراجه ، ويوظف مختلف مؤثراته ، لإخراج عمله الإبداعي كاملاً مؤثراً مشوِّقاً يَشُدّ المتلقي وينال إعجابه.

ولهذا بُني المنهج على أربعة فصول تسبقها مقدمة وتتلوها خاتمة وقائمة بالكتب التي أفادت في كتابة هذا الكتاب.

أتناول في الفصل الأول منها دلالة الصورة في اللغة والإصطلاح وما وضعه علماء العربية الأوائل في الموضوع. وما كان في الدرس الغربي لمصطلح الصورة ومن تأثر بهم من العرب المحدثين في آرائهم ومذاهبهم ، للوصول الى مفهوم محدد للصورة ، يتناسب مع طبيعة دراستي لبنائية الصورة في القرآن الكريم.

وكذلك أجد من المناسب أن أتناول في هذا الفصل تطور دراسة الصورة القرآنية عند القدماء ، معتمداً في ذلك على أشهر المصنفات في هذا المجال. وبالإعتماد على التسلسل الزمني لتلك الدراسات ، لغرض معرفة ما أضافه المتأخر الى المتقدم في دراسة الصورة القرآنية ، ثم ما وقع من تطور معاصر لدراسة الصورة القرآنية ، وما أضافه المتأخرون اليها متأثرين بالمدارس النقدية الحديثة ، لأصل الى آخر مرحلة وصلت اليها دراسة الصورة القرآنية ، للإفادة منها والإطلاع عليها ، والإنطلاق مما انتهت اليه في هذا المجال.

أما الفصل الثاني ، فقد خصص لتناول عناصر بناء الصورة الفنية ، متمثلة باللغة والفكرة والوظيفة ، حيث تمثل اللغة المواد العامة (الأولية) التي يقوم بها البناء ، وكيف تَميَّز القرآن الكريم في إختيار ألفاظه وتراكيبه التصويرية ، موظفاً كلاً من الدلالة والظلال والجرس في رسم الصورة الفنية ، وكذلك سأدرس الفكرة أو الموضوع الذي تناولته الصورة الفنية في القرآن ، تلك التي تناولت أغلب أفكاره وموضوعاته ، وكذلك سأُعرِّج على الوظيفة والغرض الكامن من وراء استعمال تلك الصورة في السياق ، وأوضِّحَ أبعادها وأُمثِّل لأنواعها ، عقلية كانت أو نفسية أو فنية أو دينية.

لأصل بعد ذلك الى الفصل الثالث ، وأُفصِّل القول في طرائق بناء الصورة وأنواعها ، وأقف عند أبرز تلك الطرائق ، سواء أكانت طرائق بناء الصورة الجزئية أم طرائق بناء الصورة الكلية أم طرائق بناء الصورة المركبة ، مع الاشارة إلى طرائق بناء الصورة العامة والصورة الشاملة ، وما في ذلك كله من أنواع فرعية للصورة وطرائق بنائها.

وبعد أن يُشيَّد البناء العام ويُصبح للصورة هيكلها المُميَّز ، أصل الى المرحلة الأخيرة في البناء ، وكيف يكسب البناء قوته وجماله وتأثيره. فأذكر في الفصل الرابع الوسائل والتقنيات المُتَّبعة في إخراج تلك الصورة إخراجاً فنياً مؤثراً ، مُحَقِّقاً للوظيفة على أكمل وجه ، باقياً متجدداً كلما تكررت مشاهدته أو نظرت اليه العين.

ومن أبرز تلك الوسائل الإخراجية ، سينمائية التصوير. ممثلة باختلاف حجوم اللقطات، وتنوع التصوير وحركات (الكاميرا)، وكذلك الجدَّة والغرابة وأثرهما في التشويق ومفاجأة المتلقي ، وعنصري الحركة والصوت وأثرهما في التأثير والإحياء. ثم أنتقل الى التنويع ودوره في كسر الجمود والرتابة التي من الممكن أن يلمسها المتلقي في أثناء عرض بعض الصور ، ثم الإشارة الى وسائل إحياء الصورة وإخراجها إخراجاً حيَّاً يشارك المتلقي في احداثه ويتفاعل مع افكاره. ولا أنسى تلك المؤثرات التصويرية التي يعمد اليها المخرج لزيادة تأثير الصورة وجاذبيتها ، ذهنية كانت أو صوتية أو بصرية ، لأصل في النهاية الى الوسائل المُتَّبعة في بقاء جاذبيتها وحيويتها مهما تكرر عرضها ، أو مهما تقادم عليها الزمن ، باقية ما بقي القرآن الكريم نصاً معجزاً مؤثراً الى قيام يوم الدين.

وقد أربى الفصل الرابع بمباحثه الثمانية على الفصول الأخرى ، وذلك لتعلق هذا الفصل بإخراج الصورة. وهذا الإخراج له تفاصيله الكثيرة التي فرضت علينا ان نضع لكل تفصيل من تفاصيل الاخراج مبحثاً مستقلاً. وبما ان التفاصيل كثيرة ، كثرت لذلك مباحث هذا الفصل ، فضلاً عن إن الفصل كيان مستقل في البحث العلمي يفرض كمَّه ونوعيته على الباحث.

وعند الوصول الى هذه المرحلة ، يكون من المناسب ذكر الخاتمة وأهم النتائج التي توصلتُ اليها في البحث ، والثمرة التي سأخرج بها منه إن شاء الله.

وأقصد بـ (البنائية) التي اخترتها في عنوان الكتاب (بنائية الصورة القرآنية) بدلاً من (البناء)، الرؤية الالهية التي أرادت أن يكون القرآن على وفق هذا البناء المعجز ، وأقصد بها طرق بناء الصورة ووسائل إخراجها التي أساسها الحياة والبقاء وجذب المتلقي في كل زمان ومكان ، وما نلمس من هذه الصيغة من دلالات وحركة ومرونة ، تنسجم مع طبيعة الصورة الفنية في القرآن ، وبشكل يبتعد نوعاً ما عن دلالة صيغة البناء وظلالها التي لا تبتعد عن دلالات الجمود والهيكل الثابت.

أما أهم المصادر والمراجع التي أفدت منها في هذا الكتاب فيقف في مقدمة المصادر القديمة كتابا (أسرار البلاغة) و (دلائل الإعجاز) لعبد القاهر الجرجاني ، وتفسير التبيان للطوسي ، وتفسير الكشّاف للزمخشري ، والتفسير الكبير للفخر الرازي ، وكتاب المثل السائر لابن الاثير ، وغيرها من كتب البلاغة وكتب التفسير وكتب معاني القرآن وكتب إعجاز القرآن وكتب النقد القديم التي أفدت منها في البحث.

أما المراجع الحديثة ، فكان في مقدمتها كتاب (التصوير الفني في القرآن) لسيد قطب ، و(نظرية التصوير الفني عند سيد قطب) للدكتور صلاح الخالدي ، و (وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم) للدكتور عبد السلام أحمد الراغب ، و(بناء الصورة الفنية في البيان العربي) للدكتور كامل حسن البصير ، و(الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب) للدكتور جابر عصفور ، فضلاً عن كتابي (التشويق) و (الاخراج والسيناريو) للدكتور عبد الباسط سلمان ، وغير ذلك من المراجع المهمة في الموضوع.

ومن جزاء الإحسان أن يذكر الإنسان من أحسن اليه بالشكر والامتنان. فلا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل  للأستاذ الدكتور علي كاظم أسد لما أبداه من رعاية كريمة للكتاب والمؤلف ، وما أسداه من نصح جميل وملاحظات قيَّمة ، فجزاه الله عني خير جزاء المحسنين.

وأخيراً أرجو من الله تعالى أن يتقبل مني هذا العمل المتواضع الذي لا أرجو فيه إلا وجهه ، وأن يحشرني مع الذين تفكروا في القرآن ، وحاولوا إثبات إعجازه مع علمي بأني أقلهم وأضعفهم ، ومن الله التوفيق.

 

الفهارس

المقدمة ..............5

الفصل الأول

مفهوم الصورة القرآنية ..............11

المبحث الأول: دلالة الصورة ..............13

     أولاً: الصورة لغةً  ..............13

     ثانياً: الصورة اصطلاحاً ..............17

المبحث الثاني: تطور دراسة الصورة القرانية عند القدماء ..............41

المبحث الثالث: تطور دراسة الصورة القرآنية عند المحدثين ..............65

الفصل الثاني

عناصر بناء الصورة ..............89

توطئة ..............91

المبحث الأول: اللغة ..............93

المبحث الثاني: الفكرة ..............113

     أولاً: مشاهدة الطبيعة ..............114

     ثانياً: المواقف والأحداث ..............118

     ثالثاً: الأمثال المصوّرة ..............120

     رابعاً: الحالات النفسية ..............124

     خامساً: تصوير النماذج الإنسانية ..............126

     سادساً: تصوير القصص الماضية ..............129

     سابعاً: مشاهد القيامة والحساب ..............135

     ثامناً: مشاهد العذاب في النار ..............137

     تاسعاً: مشاهد النعيم في الجنة  ..............140

المبحث الثالث: الوظيفة ..............143

     أولاً: الوظيفة العقلية ..............145

     ثانياً: الوظيفة النفسية ..............155

     ثالثاً: الوظيفة الفنية ..............159

الفصل الثالث

بناء الصورة وأنواعها ..............163

توطئة ..............165

المبحث الأول: بناء الصورة الجزئية ..............167

     أولاً: الصورة التشبيهية ..............167

     ثانياً: الصورة الاستعارية ..............174

     ثالثاً: الصورة المجازية ..............181

     رابعاً: الصورة الكنائية ..............184

     خامساً: الصور الجزئية الأخرى ..............186

المبحث الثاني: بناء الصورة الكلية ..............189

المبحث الثالث: بناء الصورة المركبة ..............213

الفصل الرابع

إخراج الصورة ..............233

توطئة ..............235

المبحث الأول: سيمنائية التصوير  ..............239

     أولاً: حجوم اللقطات ..............239

     ثانياً: حركات (الكاميرا) ..............247

     ثالثاً: زوايا التصوير ..............252

المبحث الثاني: الجِدَّة و الغرابة ..............263

المبحث الثالث: الحركة ..............277

     أولاً: الحركة الخارجية الظاهرة للعيان ..............279

     ثانياً: الحركة المضمرة المُتخيَّلة ..............284

     ثالثاً: الحركة المتعلقة بسرعة العرض ..............286

المبحث الرابع: الصوت ..............291

المبحث الخامس: الصورة  ..............297

المبحث السادس: إحياء الصورة ..............    305

     أولاً: دلالة الفعل المضارع  ..............305

     ثانياً: الالتفات  ..............307

     ثالثاً: حذف فعل القول  ..............308

المبحث السابع: مؤثرات التصوير  ..............311

     أولاً: استثمار أصوات الحروف: ..............312

     ثانياً: صوت الكلمة: ..............313

     ثالثاً: ايقاع سياق التعبير: ..............314

     رابعاً: الاطار العام للصورة: ..............315

المبحث الثامن: عوامل البقاء للتصوير القرآني .............318

     أولاً: طبيعة بناء الحركة ..............318

     ثانياً: البناء للمجهول ..............321

     ثالثاً: التعليق من مجهول على ما يظهر من احداث ......324

     رابعاً: التعميم: ..............325

     خامساً: الاقتصار على عنصر من عناصر الحدث ............326

الخاتمة ..............329

المصادر والمراجع ..............335

الفهرس ..............348